حركية موظفي الخزينة العامة للمملكة في إطار القانون 14.25: وانعكاساتها على الجماعات الترابية
يشكل إصلاح منظومة الجبايات المحلية أحد أعمدة الإصلاح المالي والإداري الذي انخرط فيه المغرب خلال السنوات الأخيرة، وذلك انسجامًا مع التحولات الدستورية والمؤسساتية التي أقرها دستور سنة 2011، خاصة ما يتعلق بتكريس مبادئ الجهوية المتقدمة، والتدبير الحر للجماعات الترابية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز الحكامة الجيدة في تدبير الشأن العام المحلي. وقد أضحت الجماعات الترابية مطالبة اليوم تلعب أدوار تنموية متزايدة، وهو ما يستدعي تمكينها من موارد مالية قارة وآليات تدبير فعالة.
وفي هذا السياق العام، جاء القانون رقم 14.25 المعدل والمتمم للقانون رقم 47.06 المتعلق بجبايات الجماعات الترابية، ليؤسس لمرحلة جديدة في مسار تحديث المالية المحلية، من خلال إعادة تنظيم منظومة التحصيل الجبائي، وتوحيد المساطر، وتحسين الحكامة، وتعزيز النجاعة والشفافية. ولا يقتصر هذا الإصلاح على الجوانب التشريعية أو التقنية فقط، بل يمتد ليشمل البعد التنظيمي والبشري، باعتبار الموارد البشرية عنصرًا حاسمًا في إنجاح أي إصلاح هيكلي.
أولًا: السياق العام لإصلاح الجبايات المحلية
إن دخول القانون رقم 14.25 حيز التنفيذ بتاريخ 12 يونيو 2025 يعكس إرادة واضحة لدى المشرع لتجاوز الاختلالات البنيوية التي ميزت النظام السابق، والتي تمثلت أساسًا في تعدد المتدخلين في مجال التحصيل، وتداخل الاختصاصات بين المصالح، وضعف التنسيق، فضلاً عن محدودية المردودية الجبائية في عدد من الجماعات الترابية. وقد أثرت هذه الاختلالات سلبًا على قدرة الجماعات على تعبئة مواردها الذاتية، وأضعفت من نجاعتها التدبيرية.
كما يندرج هذا الموضوع ضمن سلسلة من المقالات التحليلية التي نشرناها سابقًا، من بينها مقال
تحليل إداري حول إصلاح الجبايات المحلية
، والذي تناول الخلفيات العامة للإصلاح وأهدافه الاستراتيجية في إطار الجهوية المتقدمة.
ويهدف الإصلاح الجديد إلى تمكين الجماعات الترابية من موارد مالية مستقرة، وتعزيز استقلاليتها المالية، بما يسمح لها بالقيام بأدوارها التنموية والاجتماعية على الوجه الأمثل. كما يروم تحسين العلاقة بين الإدارة الجبائية المحلية والمرتفقين، من خلال تبسيط المساطر، وتقريب الخدمات، واعتماد آليات حديثة للتتبع والمراقبة.
ثانيًا: إحداث القباضات الجماعية كرافعة تنظيمية
من بين المستجدات البارزة التي جاء بها القانون 14.25، إحداث اثنين وتسعين قباضة جماعية كمرحلة أولى في أفق تعميم هذا النموذج لاحقًا. ويهدف هذا الإجراء إلى بناء شبكة محاسبية ترابية أكثر قربًا وفعالية، قادرة على توحيد عمليات التحصيل الجبائي، وضمان الشفافية، وتحسين تتبع المداخيل، وتجاوز الإكراهات المرتبطة بالتشتت الجغرافي والمؤسساتي.
وتضطلع القباضات الجماعية الجديدة بدور محوري في تجميع الخبرات والكفاءات، وتوحيد المساطر، وتعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، بما يساهم في الرفع من مردودية التحصيل وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمرتفقين.
يأتي هذا التحليل في سياق استكمال النقاش الذي سبق تناوله في مقالنا حول
القانون 14.25 والقانون 47.06
، حيث تم التطرق إلى الإطار القانوني العام لإصلاح الجبايات المحلية، قبل الانتقال في هذا المقال إلى إبراز الانعكاسات العملية لهذا الإصلاح على الموظفين والجماعات الترابية.
ثالثًا: حركية موظفي الخزينة العامة للمملكة كخيار استراتيجي
تحتل حركية موظفي الخزينة العامة للمملكة مكانة مركزية في هذا الورش الإصلاحي، باعتبارها آلية لتعبئة الموارد البشرية المؤهلة والقادرة على مواكبة التحولات التنظيمية الجديدة. فقد راكم هؤلاء الموظفون تجربة مهنية مهمة في مجالات التحصيل الجبائي، والمحاسبة العمومية، والتدبير المالي، مما يجعلهم عنصرًا أساسيًا لضمان استمرارية المرفق العام وجودة الأداء.
وقد أكدت وزارة الاقتصاد والمالية ( تجد رابط رسالة السيدة وزيرة الاقتصاد والمالية اسفله) ،أن هذه الحركية تقوم على مبدأ التطوع، وتحترم الحقوق المكتسبة للموظفين، سواء من حيث الوضعية الإدارية، أو الأجور، أو المسار المهني. كما شددت على أن الحركية ليست إجراءً قسريًا، بل خيارًا مهنيًا يتيح للموظف فرصة الانخراط في تجربة جديدة، واكتساب مهارات إضافية، والمساهمة في إنجاح ورش وطني ذي أبعاد استراتيجية.
رابعًا: الأبعاد المهنية والاجتماعية للحركية
لا تقتصر حركية الموظفين على بعدها الإداري والتنظيمي فقط، بل تحمل في طياتها أبعادًا مهنية واجتماعية مهمة. فهي تشكل فرصة حقيقية لتطوير المسار المهني للموظف، وتوسيع مجال خبرته، والانفتاح على مجالات جديدة في تدبير المالية المحلية. كما تساهم في تعزيز الشعور بالانتماء والمشاركة في ورش إصلاحي وطني.
غير أن نجاح هذه الحركية يظل رهينًا بتوفير شروط المواكبة، وضمان وضوح الرؤية بخصوص آفاق التطور المهني، وتدبير الآثار الاجتماعية المحتملة، خاصة ما يتعلق بالاستقرار الأسري والمهني للموظفين المعنيين.
خامسًا: صيغ الحركية المعتمدة وضمانات الاختيار
حددت الرسالة الوزارية ثلاث صيغ قانونية للحركية، تتمثل في الوضع رهن الإشارة، والإلحاق، والإدماج ضمن أسلاك وزارة الداخلية. وتتميز هذه الصيغ بمرونتها، إذ تتيح للموظف اختيار الصيغة الأنسب لوضعيته المهنية والشخصية، مع الحفاظ على حقوقه وضمان استمرارية المرفق العام.
كما تم التنصيص على اتخاذ تدابير مالية وتنظيمية مرافقة، خاصة في إطار مشروع قانون المالية لسنة 2026، بهدف حماية المكتسبات وضمان انتقال سلس وآمن نحو التنظيم الجديد.
سادسًا: التكوين والمواكبة كشرط لنجاح الإصلاح
إدراكًا لأهمية العنصر البشري، أكدت الوزيرة على ضرورة توفير برامج تكوين متخصصة لفائدة الموظفين المعنيين بالحركية، تشمل الجوانب القانونية، والمحاسبية، والتنظيمية، واستعمال النظم المعلوماتية الحديثة. كما تم التأكيد على مواكبة الموظفين خلال مرحلة الانتقال، وتأهيل مقرات العمل، وتوفير الوسائل اللوجستيكية والتقنية اللازمة.
سابعًا: انعكاسات الإصلاح على موظفي الجماعات الترابية
من المنتظر أن ينعكس هذا الإصلاح إيجابًا على أداء الجماعات الترابية، من خلال تحسين تحصيل الموارد، وتعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، وضمان تتبع أدق للمداخيل الجبائية. كما سيساهم في رفع جودة الخدمات المقدمة للمرتفقين، وترسيخ مبادئ الشفافية والحكامة، وتعزيز الثقة في الإدارة العمومية المحلية.
ثامنًا: التحديات المحتملة وآفاق التنزيل
رغم أهمية هذا الورش، فإن تنزيله العملي قد يواجه مجموعة من التحديات، من بينها تدبير المرحلة الانتقالية، وضمان انسجام الأدوار بين مختلف المتدخلين، ومواكبة التغيير من طرف الموارد البشرية. وهو ما يستدعي اعتماد مقاربة تشاركية، قائمة على التواصل المستمر، والتقييم المرحلي، وتصحيح الاختلالات عند الاقتضاء.
تاسعًا: دور التواصل الإداري في إنجاح الإصلاح
يعد التواصل الإداري عنصرًا أساسيًا في إنجاح هذا الورش، سواء من خلال توضيح الرؤية، أو شرح الأهداف، أو الإجابة عن تساؤلات الموظفين. فكلما كان التواصل واضحًا وشفافًا، كلما ساهم ذلك في تعزيز الثقة، وتقليص المقاومة للتغيير، وتحفيز الانخراط الإيجابي في الإصلاح.
خاتمة عامة
تشكل حركية موظفي الخزينة العامة للمملكة في إطار القانون رقم 14.25 رافعة أساسية لإصلاح منظومة الجبايات المحلية، وفرصة حقيقية لتحديث الإدارة المالية الترابية. ويظل نجاح هذا الورش رهينًا بحسن التنزيل، وضمان حقوق الموظفين، وتوفير شروط المواكبة والدعم، بما يحقق الأهداف التنموية المرجوة، ويعزز ثقة المواطن في الإدارة العمومية.
حول هذا المقال
هذا المقال جزء من دليل الموظف الجماعي ويعتمد على النصوص القانونية
والمراسيم التنظيمية المؤطرة لعمل موظفي الجماعات الترابية بالمغرب،
مع شرح عملي لكيفية تطبيقها داخل الإدارات المحلية.